أخبار وطنية أزمة ثقة بين القضاة والأمنيين: تضــرّرت البــلاد..وانتفع الارهابيون!
فتحت الحادثة الإرهابية الأخيرة المتعلقة بتفجير حافلة الأمن الرئاسي والتي استشهد خلالها 12 أمنيا، مجدّدا السجال القائم بين ممثلين للسلطة القضائية أو بالأحرى النيابة العمومية وممثلين عن السلطة الأمنية من الذين رفعوا شعار «الأمن يشدّ والقضاء يسيّب»..
ولعلّ تجدّد فتح باب النقاش في ما يخصّ هذا الموضوع كان مردّه ما أعلنت عنه وزارة الداخلية على لسان كاتب الدولة لدى وزير الداخلية المكلف بالشؤون الأمنية رفيق الشلي من أن الإرهابي الذي قام بتفجير حافلة الأمن الرئاسي يوم الثلاثاء 24 نوفمبر بشارع محمد الخامس تم إيقافه من قبل الوحدات الأمنية إلا أن النيابة العمومية أذنت بإطلاق سراحه نظرا لعدم كفاية الأدلة .
وفي هذا الإطار ولفكّ لبس الأزمة المتعلقة أساسا بفقدان عامل الثقة بين مؤسستين تعتبران من أثقل الجهات التي تسهر على حفظ الأمن وإقامة العدل في البلاد، اتصلت أخبار الجمهورية بوجوه مختصة لمناقشة هذه المسألة ...
فتحي المولدي:أزمة سيستفيد منها الإرهابيون والصائدون في الماء العكر...
اعتبر المحامي فتحي المولدي أنّ من أخطر المشاكل التي أصبحنا نعيش على وقعها هي أزمة الثقة والتراشق الخطير جدا بالتهم بين ركنين أساسيين لحماية الأمن والاستقرار في البلاد يتمثلان في السلطة الأمنية والسلطة القضائية..
وفي سياق متصّل أشار المولدي إلى أن السلطة الأمنية والتي تسمى قانونا بالباحث الابتدائي أي من يباشر الأبحاث الأولية والإيقافات تعتبر قانونيا تحت طائلة القضاء المتمثل في شخص النيابة العمومية، واستدرك في المقابل قائلا: « لكن ما لاحظناه مؤخرا أو بالأحرى بعد اندلاع الثورة وجود أزمة ثقة كبيرة بين مكونين خُلقا بالأساس من أجل المحافظة على أمن البلاد»..
وأعرب المحامي عن أسفه الشديد لتداول رجالات الأمن المقولة التي أصبحت شهيرة وهي «البوليس يشد والقضاء يسيّب»، مشدّدا على ضرورة الحد من استمرارية هذا الوضع وقال إنه من غير المعقول أن يتدخّل القضاء في عمل الأمنيين كما لا يجوز للأمنيين التدخّل في عمل القضاء وفق تعبيره..
كما شدّد محدثنا من ناحية أخرى على ضرورة إيجاد حل للأزمة المذكورة وذلك بتدخّل كل من وزير العدل باعتباره رئيس النيابة العمومية (لا حق له في التدخّل في القضاء) ووزير الداخلية، مناديا بالإسراع في تنظيم اجتماع عاجل لوضع النقاط على الحروف خاصة وأنّ هذا الخلاف القائم بين المؤسستين لن يخدم إلاّ الإرهاب وعصاباته ومن يصطادون في الماء العكر ويعتبرون أنّ هيبة الدولة باتت هشّة..
وفي ختام حديثه مع أخبار الجمهورية قال المولدي إنّ الواجب يحتّم على جناحي الأمن والقضاء أن يكونا يدا واحدة ضدّ الإرهاب خاصة وأنّ غايتهما واحدة وهي فرض الاستقرار والأمن داخل المجتمع ..
أحمد الرحموني: النقابات الأمنية غير نزيهة ..وهي مرتبطة بأجندات سياسية
أكد رئيس مرصد استقلال القضاء، أحمد الرحموني، وجود نوع من الخلل في القضاء لا يشرف بطريقة كاملة على الأبحاث، قائلا إنه يقدم إنابات عدلية للجهات الأمنية والتي يعطيها القانون إمكانية البحث في الجرائم الإرهابية بإذن من القضاة..
وأشار الرحموني إلى أنّ هنالك غيابا للإشراف الكامل والحقيقي على الأبحاث الأولية للقضاة، مضيفا أن الوضع الحالي متأثر بالتقليد السابق قبل 14 جانفي، إذ كان ولا يزال تحت إشراف وزارة الداخلية وهياكلها الأمنية في الأبحاث وهو ما يطرح التساؤل المستمر حول حياد البحث الأولي الذي نستشفه في الممارسات التي تمثل تجاوزات يمكن أن تخل بهذا الحياد مما يطرح مشكلة استقلالية البحث، على حد تعبيره.
واعتبر الرحموني، أن قانون الإرهاب لم يبين طريقة التنسيق بين القضاة والضابطة العدلية حتى أنه ليس هناك هياكل مشتركة بين القطب القضائي للإرهاب والقطب الأمني على حدّ تعبيره، فضلا عن أن أعوان الضابطة العدلية تابعون لوزارة الداخلية المعنية بوضعيتهم المهنية وبالتالي هم خاضعون إليها.
وأكد محدثنا أن هذا الإشراف المباشر يجعل البحث مرتبطا بوزارة الداخلية وتحت إشراف وزير الداخلية، مناديا بوجوب إعادة النظر في صياغة العلاقة بين الأمن والقضاة في ضوء ما جاء في الدستور الجديد.. وشدّد الرحموني على ضرورة التسريع في البتّ في القضايا الإرهابية التي ليست مرتبطة فقط بالقضاة، بل هي مرتبطة بمسار كامل يهم القضاة كما يهم الضابطة العدلية.
وأضاف أنه يجب الحفاظ على جميع الضمانات مع التسريع في نسق البت في الملفات مع تشخيص أسباب التأخير إن كانت مرتبطة بمراحل الحكم أو التحقيق أو النيابة، مؤكدا وجوب إحكام التوازن بين الحقوق والضمانات في هذه المرحلة الحساسة.
أمّا في ما يخص القضايا المتعلقة بالاغتيالات السياسية والتي عرفت طعونا متواصلة سواء من القائمين بالحق الشخصي أو غيرهم، فقد قال الرحموني إن هذه الطعون كانت سببا وراء تعطيل الفصل في هذه القضايا.
وعلى صعيد متصل، اعتبر القاضي أحمد الرحموني، أن النقابات الأمنية غير مستقلة وغير نزيهة في عملها، ومرتبطة بتجاذبات سياسية وأجندات، قائلا إن ممثليها ساهموا في توتير العلاقة بين السلك الأمني والقضائي خلال تصريحاتهم في وسائل الإعلام، ناهيك عن تدخلها في سير الأبحاث، وهو ليس من مشمولاتها، على حد قوله.
علي الزرمديني: غياب عامل الثقة كمثل الذي «ينفخ في الرمل»
بدوره أكد الخبير الأمني والعقيد السابق للحرس الوطني علي الزرمديني أنّ الدولة التونسية لا يمكن لها الاستمرار في البناء والتواصل إلاّ بشرط حسن الارتباط بين مؤسساتها وخصوصا المؤسسة العدلية والمؤسسة الأمنية، ذلك أنّ واجب الثقة هو العامل الأساسي لضمان العمل بينهما وخلق الآليات لدعمه على أكمل وجه معتبرا أنّ غياب عامل الثقة كمثل الذي «ينفخ في الرمل» على حدّ تعبيره..
وأضاف الزرمديني أنّ النيابة العمومية المدركة جدا للجوانب القانونية والعارفة بها من وحي مهنيتها وباعتبارها رئيسة الضابطة العدلية، يجب عليها أن تقترب أكثر فأكثر من مرؤوسيها في الضابطة العدلية وتفهم جيدا الإطار العملي الشامل الذي يعملون به، وأن تكون لديها كذلك المعرفة الجيدة لواقع الإرهاب وخصوصياته وارتباطاته العنقودية إلى جانب الإلمام بطبيعة قياداته وتنظيماته ومختلف آلياته وأساليب تحركه وتنفيذه وفق تعبيره...
وقال الخبير الأمني إنّ ما ذكره سيساهم في تيسير العمل الأمني وتسهيل لغة التواصل بين رئيس الضابطة العدلية ومأمورها، مشيرا إلى أن الضابطة العدلية مطالبة هي الأخرى من ناحيتها بإبراز كل عنصر في الجريمة الإرهابية وكل معطى يرتبط بها ويتوفر لديها سواء أثناء مباشرتها للتحقيق أو البحث فيها إلى النيابة العمومية وذلك بصفة مفصّلة ولو خارج إطار المحضر بتقرير إرشادي واضح تبيّن فيه كل الجوانب التي تحيط بالمجموعة أو بالشخص الفاعل والإطار العام المحتضن للقضية على حدّ قوله...
في سياق متصل، شدد محدثنا على ضرورة أن يكون الاتصال بين المؤسسة العدلية والمؤسسة الأمنية فعليا ومباشرا يتم من خلاله التحادث المباشر في كل الجوانب الخفية قبل الظاهرة حتى تصبح الصورة بالتكامل والثقة اللذين يجعلان مختلف القضايا وخاصة المتعلقة بالجرائم الإرهابية تأخذ مجراها القضائي المرجوّ.
من ناحية أخرى اعتبر علي الزرمديني أنّ القاضي ومأمور الضابطة العدلية أصبحا اليوم كلاهما مرتبطا ومتمّما للآخر، قائلا إنّه يتوجّب على القضاة أن تكون لديهم الدراية الأوسع بأنّ هذا الموضوع خطر على الجميع..
فراس جبلون: كفانا من منطق التراشق بالتهم...
أما المحلل السياسي فراس جبلون فاعتبر أنّ القانون يعتبر اعتقال قوات الأمن شخصا يشتبه أن يكون إرهابيا ثم إطلاق سراحه فيما بعد من قبل القضاء أمرا عاديا حتى وإن انتهى به المطاف للقيام بعملية إرهابية لاحقا وفق تعبيره..
وأشار إلى أن الخطأ هنا ليس بالضرورة في القضاء -رغم أن هذا يبقى احتمالا أيضا- بل في أحد فرضيتين، أولهما إما أن الأمن لم يقم بعمله كما يجب ولم يرفق بالملف ما يكفي من الأدلة لتدين المتهم، فالقاضي لا يعرف بالضرورة علم الغيب ليطلع على المستقبل وحسنا فعل حين طبق القانون ولم ينزلق للإجراءات الاعتباطية العشوائية.
وشدّد محدثنا على ضرورة رفع الأمنيين درجة تأهبهم وحسن أدائهم وحرفيتهم بدل اتهام القضاء والحقوقيين، هذا إلى جانب تطوير أدائهم على حد قوله. وتتمثل الفرضية الثانية وفق تصريح فراس جبلون، في أن القوانين الموجودة لا تفي بالحاجة لمجابهة خطر الإرهاب وحماية دولة في حالة حرب مع عدو غير تقليدي.
واعتبر أن الخطأ لا هو في القضاء ولا هو في الأمن، بل يتعلّق بالأساس في المجلس التشريعي الذي لم يتمكن حتى من تحيين قانون الطوارئ، وقيامه بإصدار قانون الإرهاب دون تفعيله، ناهيك عن عديد القوانين الأخرى التي قد نحتاج إلى تحيينها حتّى تلائم الوضع الأمني الجديد الذي نعيش على وقعه..
ووصف فراس جبلون أعمال المجلس التشريعي بالجمود وذلك بعد أن انغمست الكتلة الأكبر فيه في أشياء أخرى غير مصلحة البلاد،على حد قوله.
نضال الصيد ومنارة تليجاني